ابن كثير

56

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

قال : أتيت أنا وأخي النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقلنا : إن أمنا ماتت في الجاهلية ، وكانت تقري الضيف ، وتصل الرحم ، وإنها وأدت أختا لنا في الجاهلية لم تبلغ الحنث . فقال : « الوائدة الموؤودة في النار إلا أن تدرك الوائدة الإسلام فتسلم » وهذا إسناد حسن . [ والقول الثالث ] التوقف فيهم . واعتمدوا على قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « اللّه أعلم بما كانوا عاملين » وهو في الصحيحين من حديث جعفر بن أبي إياس عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس سئل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن أولاد المشركين ، قال : « اللّه أعلم بما كانوا عاملين » وكذلك هو في الصحيحين من حديث الزهري عن عطاء بن يزيد ، وعن أبي سلمة عن أبي هريرة ، عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه سئل عن أطفال المشركين ، فقال : « اللّه أعلم بما كانوا عاملين » ومنهم من جعلهم من أهل الأعراف ، وهذا القول يرجع إلى قول من ذهب إلى أنهم من أهل الجنة ، لأن الأعراف ليس دار قرار ومآل أهلها الجنة ، كما تقدم تقرير ذلك في سورة الأعراف ، واللّه أعلم . [ فصل ] وليعلم أن هذا الخلاف مخصوص بأطفال المشركين ، فأما ولدان المؤمنين فلا خلاف بين العلماء كما حكاه القاضي أبو يعلى بن الفراء الحنبلي عن الإمام أحمد أنه قال : لا يختلف فيهم أنهم من أهل الجنة ، وهذا هو المشهور بين الناس ، وهو الذي نقطع به إن شاء اللّه عز وجل ، فأما ما ذكره الشيخ أبو عمر بن عبد البر عن بعض العلماء أنهم توقفوا في ذلك وأن الولدان كلهم تحت المشيئة ، قال أبو عمر : ذهب إلى هذا القول جماعة من أهل الفقه والحديث ، منهم حماد بن زيد وحماد بن سلمة وابن المبارك وإسحاق بن راهويه وغيرهم ، قالوا : وهو يشبه ما رسم مالك في موطئه في أبواب القدر ، وما أورده من الأحاديث في ذلك ، وعلى ذلك أكثر أصحابه ، وليس عن مالك فيه شيء منصوص إلا أن المتأخرين من أصحابه ذهبوا إلى أن أطفال المسلمين في الجنة وأطفال المشركين خاصة في المشيئة ، انتهى كلامه ، وهو غريب جدا ، وقد ذكر أبو عبد اللّه القرطبي في كتاب التذكرة نحو ذلك أيضا ، واللّه أعلم . وقد ذكروا في ذلك أيضا حديث عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين قالت : دعي النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إلى جنازة صبي من الأنصار ، فقلت : يا رسول اللّه طوبى له عصفور من عصافير الجنة لم يعمل السوء ولم يدركه ، فقال : « أو غير ذلك يا عائشة ، إن اللّه خلق الجنة وخلق لها أهلا وهم في أصلاب آبائهم . وخلق النار وخلق لها أهلا وهم في أصلاب آبائهم » « 1 » رواه مسلم وأحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة . ولما كان الكلام في هذه المسألة يحتاج إلى دلائل صحيحة جيدة وقد يتكلم فيها من لا علم عنده عن الشارع ، كره جماعة من العلماء الكلام فيها ، روي ذلك عن ابن عباس والقاسم بن

--> ( 1 ) أخرجه مسلم في القدر حديث 31 ، وأبو داود في السنة باب 17 ، والنسائي في الجنائز باب 58 ، وابن ماجة في المقدمة باب 10 ، وأحمد في المسند 6 / 41 ، 208 .